الموقع الرسمي لمؤسسة مفدي زكرياء - الجزائر
 
رسالة المؤسسة
    مع مفـدي زكـريـاء وإلياذتـه في ثـوب جـديد
    17 أوت 1977 يوم الرحيل، و17 أوت 2004 يوم العودة

مرت سبعة وعشرون عاما عن إعلان الشاعر مفدي زكريـاء الصيام عن الكلام غير المباح برحيله يوم الثلاثاء من رمضان 1397 الموافق 17 أوت 1977 ليفتح بذلك شهيـة من يريـد الجلوس إلى مائدتـه يتزود منها بغذاء الروح، يسبـح بفكـره في لججه، يغوص في أعماقه، يجني من كنوزه ويكتشف قوة خارقة في التعبير وبراعة فائقة في التصوير، يفقه معاني الغناء بحب الوطن والإشادة بأمجاده.

إن مفـدي مثل غيره من عظماء الرجـال الذيـن تمردوا عن حاضـرهم زادتهم تعاقـب الأيام بعد رحيلهم رفعـة وعظمة بتطور الأبحاث والكشف عن الأسرار مثال ذلك ما توصلت إليه الدراسـات في أدب الشاعر/اتفقت على وجود عاطفة جارفة في حب الوطن عنده إلى درجة أصبح الاغتراب الذي عانى منه سنوات طويلـة يذكي فيه العاطفة ويزيده البعد عن الوطن تعلقـا:

25- ومهما بعدت ومهما قربت
                                       غرامك فوق ظنونـي ولبـي

982- وقالوا هجرت ربوع البلاد
                                       وهمت مع الشعر في كل وادي

983- أجل قد بعدت لأزداد قربا
                                       ويلهب حـب بـلادي فـؤادي

184- عشقت لأجلك كل جميـل
                                       وهمت لأجـلك في كـل وادي

كان البعد عن وطنه في حياته مصدر إلهـام، أثر في وجدانه فأوحى إليه بروائعه في الإلياذة، شحن مقاطعها بطاقة لا تزال كامنة محفوظة، لم تسبر أغوارها، تلهم الأجيال من بعده، وقد يقتبسوه من نورها في مستقبل أيامهم، تنير طريقهم، وتمدهم بزاد المحبة والإيمان بالله والوطن.

تعد الإلياذة نهاية المطاف ألقى الشاعر عصاه بعد تمامها، بلغ بها أعلى قمة بعد رحلة تسلق شاقة، سطع نجمه ذات يوم من سنة 1925 وقد بلغ من العمر سبعة عشر عاما اشتهر بنشرقصيدة في جريدتي « لسان الشعب » و« الصواب » التونسيتين عنوانها : « إلى الريفـيين » ونشرت في مصـر أيضا.

كان ذلك بداية لرحلة الجهد والعناء والشقاء، واكبه إصرار وثبات وعناد، أثمر أدبا لا يزال معظمه مغمورا، يعاني من النسيان، مشتتا في المجلات والأرشيف والجرائد في أقطار المغرب العربي، وفي المشرق أيضا.

جاءت الإلياذة في نهاية مسار الشاعر، تحولت فيها الكلمة الصادقة والعاطفة القوية إلى صرخات مدوية يتفاعل معها المتلقي، ويعيش بخياله الأمجاد والمآسي الوطنية، يتابع حلقات الملحمة، وإن رفضها البعض وأبعدها عن الملاحم مقارنة بما اصطلح به عند اليونان والفرس ولكن الشاعر يرد بقوله:

981- فقلت وشعر الخرافات يفنى
                                       وشعر البطولات لا يضمحل

إن المتمعن في الإليـاذة يدرك دون عناء كبير عبقرية الشاعر الذي نزه عمله الشعري وأبعده عن الأساطير مع أنه قال شعرا أسطوريا تجاوز المقاييس اليونانية حين أمعن في استحضار الوقائع واستنطاقها وتوظيفها فأبدع في تصويرها، ارتقى بها درجات عاليـة صنعها خيالـه، فتحولت الوقائـع إلى ملاحم أسطوريـة انتهت بانتصـار البطـل الحقيقــي.

كذلك لا يحتاج القارئ إلى جهد لملاحظة الانسجام بين الوصف بالكلمـة المدوية و صـوت الرشاش، وظف ذلك في لوحـات يصعب عد أبطالهـا، إلا أنها تذوب وتنصهر في حقيقتين اثنتين؛ صانع الملحمة العملاق الذي لا تقهـر قوته، « الشعب »، ثم مسرحهـا وميدان وقائعها « الجزائر» :

581- تبـارك شعب تحـدى العنادا
                                       فصاح وأضرب سبعا شـدادا

598- هو الشعب آمنت بالشعب فردا
                                       فصـرت بخـالقـه مؤمنـا

599- ولولاك يا شعب تزجي الشراع
                                       لما بلغ الركب شاطـي الهنـا

600- ولولاك يا رب واكبت شعبـا
                                       إلى النصر ما حزت إيماننـا

661- وقالـت جزائـرنا الغاليـة
                                       هو الصـدق حقـق آماليـة

662- ومن دم شعبـي وأكبــاده
                                       إلى النصـر قدمت قربانيـه

وكانت ليلة القدر فطلع الفجر الذي غير كل شيء، ثم النصر الحتمـّي المبيـن، وصفته الإلياذة بأفصح بيان:

501- تأذن ربـك ليلـة قـدر
                                       وألقى الستار على ألف شهر

502- وقال له الشعب أمرك ربي
                                       وقال له الـرب أمرك أمري

509- نوفمبر غيرت مجرى الحياة
                                       وكنت نوفمبر مطلـع فجـر

510- وذكرتنا في الجزائـر بدرا
                                       فقمنا نضاهي صحابة بـدر

511- نوفمبر جل جلالك فينـا
                                       ألست الذي بث فينا اليقينـا

513- وثرنا نفجر نارا ونـورا
                                       ونصنع من صلبنا الثائرنـا

515- وتسخـر جبهتنـا بالبلايا
                                       فنسخـر بالظلم والظالمينـا

516- وتعنو السياسة طوعا وكرها
                                       لشعب أراد فأعلـى الجبينـا

في هذه اللوحات وصف للألم مع أخرى للأمل، وتشخيص للمعاناة والكد والشقاء، يرافقه الصمـود والإصرار والثبـات، فيها الحزن والكآبة والفـرح والابتهاج مصدر إلهامه، الرموز التي قاومت كل أشكال الغزو الذي أصاب البلاد بالهلاك والدمار، أتى على كل شيء وعبث بالمقومات أصابها وشوه سحرها ورونقها.

تجاوز الآن عمر الإلياذة ثلاثين عاما (1972-2004)، وستصدر قريبا بمناسبة الذكرى الخمسين للثورة المجيدة، في حلة أنيقة، تحقيقا لأمنية غالية عبر عنها المرحوم مولود قاسم مرارا، ولم يتيسر له ذلك في حياته. وقد تلهم الطبعة الجديدة موهوبا، يحول كلماتها ألحانا، تؤديها أصوات تفجر معانيها، تدخل البهجة في النفوس وتخلد الكلمة لحنا، تردده حناجر الأجيال. أو يتعاون مخرجون وكتاب سيناريو، يحولون أفكار مفدي إلى أفلام أو مسلسلات تدخل كل بيت، تبلغ الرسالة، وتؤدي الأمانة.

إن مؤسسة مفدي زكرياء الفتية فخورة بالتعاون الوثيق مع المثقفين في الوطن وخارجه ومعتزة برد الإعتبار الذي حظي به الشاعر من طرف فخامة رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة منذ بداية عهدته الأولى، حين أطلق اسم الشاعر على مطار غرداية في 05 جويلية 1999، وإشرافه بنفسه على انطلاقة سنة مفدي زكرياء في مسقط رأس الشاعر، ثم قبوله بوضع تصدير لأول ديوان بعد وفاة الشاعر تصدره المؤسسة سنة 2003. وإن المؤسسة لتصبو إلى المزيد وتأمل أن تتوج تلك الأيادي البيضاء باسترجاع « الفيلا» الموجودة بالقبة كان يملكها الشاعر، واستبدال أصحابها بخير منها، صادرتها السلطات الفرنسية وقامت ببيعها، بعد أن ألقت بالشاعر في السجن، انتقاما منه ومن « الفيلا» التي كانت خلية للمجاهدين، شهدت أول تسجيل صوتي للنشيد الوطني « قسما». فإن استرجاعها يسمح بتحويلها إلى معلم تاريخي تخلد ذكرى الشـاعر ورفاقـه في الكفاح، ويوفر مأوى للمؤسسة التي تحمل اسمه ولا تملك مقرا يليق بمستوى المؤسسة وشاعر الثورة، فهل يتحقق بعد موته ما سلب منه في حياته ظلما وتعسفا وانتقاما من طرف المحتل ؟

تتولى المؤسسة إن وفقت في مسعاها واستعادت « الفيلا» بتحويلها إلى ورشة للناشئة يتمكنون من الغوص في أعماق الفكر الوطني، يستخرجون ويستفيدون من مبادئ سامية، كرس الشاعر وأمثاله حياتهم في الدفاع عنها، أساسها حـب الوطـن والمواطـن.

د. محمد عيسى وموسى
رئيـس مؤسسـة مفـدي زكـرياء

أعلى الصفحة